قضايا وأحداث ساخنة

مصدر أمني: انتحاري كنيسة القاهرة ينتمي لـ"داعش"

لجينيات - قال مصدر أمني مصري، اليوم الاثنين، إن الانتحاري،

يونيسيف: 2.2 مليون طفل يعانون من سوء التغذية في اليمن

لجينيات - قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف"،

ارتفاع ضحايا الهجوم الإرهابي المزدوج في إسطنبول إلى 44 شهيدا

لجينيات - أعلن وزير الصحة التركي رجب أقداغ ، ارتفاع عدد

خباب بن مروان الحمد

أباطيل في عاشوراء!
رافع علي الشهري

وطني دُرّةُ الدّنيا
محمد بن سعد العوشن

حين يدفع الحراك للهلاك
علي بطيح العمري

حتى لا يستباح الحرم!
أبو لـُجين إبراهيم

بيوت الخبرة وبيت الوزير!
رافع علي الشهري

ذكرياتُ حاجّ
أبو لجين إبراهيم

العلمانية.. لماذا (لا)؟!
محمد الأمين مقراوي الوغليسي

الكتابات المسمومة وتخريب العقل المسلم
أبو لـُجين إبراهيم

إلا الحج!
محمد علي الشيخي

لاللحزبية..لاللتصنيف.
أبو لـُجين إبراهيم

إلا الحج!
محمد علي الشيخي

لاللحزبية..لاللتصنيف.
أبو لـُجين إبراهيم

فتاة التنورة!
د. سلمان بن فهد العودة

الأقصى في خَطَر
أبو لجين إبراهيم

الهروب ناحية المستقبل!
محمد علي الشيخي

خطر الفتن
عبد الله بن عبد اللطيف الحميدي

دور الوقف في تلبية حاجات المجتمع
محمد بن سعد العوشن

أعياد الأمة المرحومة
أبو لجين إبراهيم

العيد.. نحو فهم جديد
د. عمر بن عبد الله المقبل

ثمان خطوات للاستعداد لرمضان
عمر بن عبد المجيد البيانوني

خواطر في الإنصاف وإدارة الخلاف
عمر عبدالوهاب العيسى

أزمة مكر لا أزمة فكر..!
د. تركي بن خالد الظفيري

الثقافة ليست ادعاء
عبد الحكيم الظافر

كوني سلعة!
علي التمني

هل أمست يتيمة!!
أ.د. ناصر بن سليمان العمر

مقصرون تجاه القرآن.. كيف نعود إليه؟
د. سلمان بن فهد العودة

رِفْقاً بـ(الإسلام)!
د. تركي بن خالد الظفيري

صناعة القارئ
محمد بن علي الشيخي

الليبرالية والفطرة
د. تركي بن خالد الظفيري

سجون الأطفال
د. سلمان بن فهد العودة

الصباح.. مرة أخرى
د. تركي بن خالد الظفيري

متحدث رسمي سابق
د. تركي بن خالد الظفيري

أُمٌّ خارج الخدمة
المقالات >> الإعلام والصحافة
2015-03-17 12:37:44

الأزمة الأوكرانية جذورها خلفياتها و مستقبلها .



تعود جذور الأزمة الأوكرنية الحالية إلى سنة 2010 عندما عادت السلطة لحزب الأقاليم الموالي لروسيا، بعد أن تمكنت الأخيرة من إسقاط مشروع الثورة البرتقالية التي اندلعت سنة 2004، تلك الثورة التي حملت أمال الشعب الأوكراني بالتخلص من الفساد و خاصة من البيروقراطية الشيوعية، وتحقيق الرفاهية و إنهاء معاناة الشعب من تأثيرات أزمة البطالة و تدني الأجور و تدهور القدرة المعيشية ، حيث نجحت روسيا في استعمال سلاح الغاز ضد أوكرانيا، الأمر الذي  تسبب في  تدهور الاقتصاد الاوكراني الذي يعتمد على 82 بالمئة من الغاز الروسي في إنعاش اقتصاده، خاصة أن أوكرانيا بلد بارد  و مساحته كبيرة باعتباره ثاني أكبر بلد في أوروبا الشرقية بعد روسيا، لذلك  يحتاج إلى الموارد الطاقوية و على رأسها الغاز، فشعرت النخب الأوكرانية المشبعة بالمباديء الغربية بالحسرة على خسارة الثورة البرتقالية أمام الثورة المضادة، بقيادة روسيا و مؤيديها من الأوكرانيين الشرقيين- أغلب رؤساء أوكرانيا من شرق أوكرانيا الذي يتحدث الروسية كلغة رئيسة  في 13 مقاطعة من أصل 24 مقاطعة-، خاصة أن سقوط رموز الثورة البرتقالية كان سقوطا مدويا، بدليل أن الشعب الأوكراني أعاد انتخاب الزمرة الموالية لروسيا، و المعروفة بفسادها الفاضح، و هو ما فهمته النخب بقيادة الرئيس السابق فيكتور يوشينكا، على أنه عقاب شعبي للثورة التي لم تحقق تلك الوعود الكبيرة التي أطلقتها في 2004، بل إن مؤشرات الفساد التي كانت في البلد قبل سنة 2004 بقيت نفسها سنة 2010، أي بعد ست سنوات من عمر الثورة التي لم تعمر طويلا، بل إن عهد رئيسة الوزراء الموالية للثورة يوليا تيموشينكا ساهم في عودة البيرواقراطية الشيوعية، لكن رموز و نخب الثورة البرتقالية لم يتوقفوا تماما عن محاولة إلحاق أوكرانيا بأوروبا، حتى و إن كان الأمر إبرام اتفاقيات شراكة سياسية و اقتصادية
 
 لم تفقد الأمل في الإنضمام إلى الاتحاد الأوروبي بعد أن افتتحت مسار المفاوضات لتوقيع اتفاقيات شراكة اقتصادية و سياسية حقيقية مع أوروبا.
 
لكن وجود رئيس أوكراني موالي لروسيا و هو الرئيس المخلوع فيكتور يانكوفيتش حال دون تحقيق ذلك في أخر لحظة، و هو الرئيس الذي حاول إمساك العصا من الوسط، عندما قبل بعد فوزه بالرئاسة بالمضي في مسار مفاوضات الانضمام لما يسمى الشراكة الشرقية، و هو مفهوم جديد ظهر بعد حرب الخمسة أيام بين روسيا و جوروجيا، فقبل توقيع إتفاقية الشراكة بين أوكرانيا و الاتحاد الاوروبي في مدينة فيلينيوس بليتوانيا، قامت روسيا بالضغط بشدة على الحكومة الأوكرانية، و استعملت كل الوسائل لمنعها من توقيعها، و هو ما تحقق قبل 28 من شهر نوفمبر 2013، عندما أعلن الرئيس الأوكراني أسبوعا واحدا قبل انعقاد قمة الشراكة الاوروبية الشرقية في فيلينيوس تجميد توقيع اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الاوروبي، و حاول إقناع الشعب أن هذا في صالح الاقتصاد الأوكراني، و سارعت روسيا للإعلان عن تقديم قرض ضخم بقيمة 18 مليار دولار و بشكل عاجل ، حيث قدمت فور إعلانها عن ذلك  3 مليار دولار، و كان الروس يظنون أن الإعلان عن هذا المبلغ كاف جدا لتهدئة الأوضاع  و تفادي وقوع اضطرابات نتيجة الإلغاء  المعلن من طرف كييف الموالية لروسيا يومها، و لحاجة أوكرانيا للمال بسبب معاناة اقتصادها من شبح الانهيار و الإفلاس،و لم تعتقد موسكو  أنها ستواجه هذه المرة رفضا أوكرانيا عنيدا، تجلى في الاعتصامات المطردة التي شهدتها ساحة الاستقلال التي باتت تعرف فيما بعد بساحة الميدان الأوروبي، تطورت الاعتصامات و بدأت عدد المحتشدين يرتفع بشكل مطرد و سريع، رغم أن الأجواء كانت باردة جدا، و هو ما يدل على إصرار أوكراني غير مسبوق على تحدي روسيا، وأخذ الموقف يتصاعد إلى أن استعملت الشرطة الرصاص الحي و سقطت أول ضحية في يوم 21 من شهر جانفي سنة 2014، ليبدأ بعد ذلك فصل جديد لم يتوقعه أحد، حيث توالى سقوط القتلى بشكل رهيب عن طريق الضرب المباشر و القنص من بعيد، و هو الأمر الي عجّل بإقناع مكونات اجتماعية هامة داخل المجتمع، و لعل أهمها منظمة القطاع الأيمن المتشددة، المعروفة بحقدها الكبير على الدولة الروسية- شارك القطاع الأيمن بفعالية في الحرب الشيشانية الأولى سنة 1994.1996 مع القوات الشيشانية ضد الروس- و هي منظمة غير معتمدة و لكنها شبه عسكرية، حيث يداوم أفرادها على التدريبات و النشاطات القتالية، فكان وصولها إلى ميدان الاستقلال المنعطف الذي غير مجرى الأحداث، حيث ساهم أعضاؤها في إبطال فعالية تدخل الشرطة الموالية لموسكو، و قامت باحتلال أغلب و أهم المباني الرئيسة في العاصمة كييف، و هو ما جعل روسيا تقرر استخدام هذا الحدث لاحقا في اتخاذ خطوات لم يتوقعها أكبر المتشائمين سياسيا، حيث انطلقت الألة الدعائية الروسية بقوة، لتوحي للجماهير الأوكرانية في جزيرة القرم و شرق أوكرانيا و روسيا؛ بأن المتطرفين الأوكران سوف يستولون على البلاد، و يحدثون مجازر رهيبة في حق الناطقين بالروسية، خاصة مع الاختلاف العقدي، و اختلاف الولاء العقدي  بين أوكرانيا و روسيا، فروسيا تتبع الكنيسة الأرثوذوكسية  اليونانية، و المسماة أيضا بالكنيسة البيزنطية أو الرومية، بينما تتبع أوكرانيا  و خاصة غربها الكنيسة الكاثوليكية الرومانية ،و يعود تاريخ هذا الإنشقاق لأكثر من عشرة قرون، وقد استفحل هذا الانشقاق في أيام ميخائيل كيرولارس، بطريرك القسطنطينية عام 1054 و كانت أسبابه الحقيقية سياسية أكثر منها عقدية. و هذا الخلاف العقدي لاي زال مؤثرا بشكل قوي في أوروبا، لذلك غادر بابا الفاتيكان الى اسطنبول لعقد صلح بين الكنسيتين في شهر ديسمبر من سنة 2014. و هو الخلاف الذي يمكن أن يفجر أوروبا في أي مرحلة من مراحلها، كما فجرها في حرب الثلاثين سنة في القرن 17 ميلادي.
 
روسيا تمكنت من استغلال العداء التاريخي بين الكنيستين، و تأجيج نار العقيدة الأرثوذكسية بسرعة كبيرة في نفوس الناطقين بالروسية، و استغلت تهور بعض رموز المعارضة الأوكرانية الذين أعلنوا إلغاء الروسية كلغة ثانية للبلاد، و قاموا بتضخيم الأمر بسرعة، خاصة أن الأوضاع خرجت فعليا من يد روسيا، بعد 18 فيفري، عندما قتلت السلطات الموالية لموسكو أكثر من 82 أوكرانيا في ساحة الاعتصام، بعد أن حاولوا اقتحام مقر البرلمان، و هي المجزرة التي سرعت تدخل أوروبا، و إقناع الرئيس فيكتور يانوكوفيتش يوم 21 فبراير بتحقيق مطالب المعارضة، و منها إجراء انتخابات رئاسية مبكرة.
 
لكن تطورا خطيرا حدث في أوكرانيا بعد توقيع هذه الاتفاقية، حيث هرب الرئيس يانوكوفيتش إلى شرق البلاد و من ثمة نحو روسيا، و طالب روسيا بحمايته من المتطرفين، و هي الخطوة التي تكون روسيا وراءها ، و كان الهدف منها نشر الفوضى و إحداث فراغ دستوري، تمهيدا لسيناريوهات روسية، انتظرها بوتين منذ سنوات، و كان أهمها إعادة السيطرة على جزيرة القرم الاستراتيجية، تحقيقا لحلمه في استعادة مجد القياصرة الروس، و هو المعروف عنه ولعه بالتاريخ الروسي، و شعوره بالغضب من سقوط الاتحاد السوفياتي، و هو ما كان يصرح به كثيرا في خطاباته التي يعقدها مع طلبة الجامعات الروسية، أو مع النخب الروسية الموالية للسياسات الروسية التي ينتهجها بوتين، و التي يقف على رأسها استرداد الهيبة الروسية المفقودة.
 
روسيا تضم القرم...
 
بعد أن فعّلت روسيا الألة الإعلامية الضخمة التي تمتلكها، و ضبطتها على بروباغندا خطيرة، عنوانها الغرب يريد تدميرنا و تفكيكنا،  انتقلت روسيا إلى سيناريو لم يتوقعه حتى الشعب الروسي، حيث عمد بوتين إلى إرسال قوات ضخمة بلغها تعدادا 30 ألفا، و هي قوات مموهة أطلق عليها قوات الدفاع الشعبي بهدف مغالطة الرأي العام العالمي، لأجل إقناعه بأن ما يحدث هناك هو تقرير مصير وفقا لمباديء الأمم المتحدة، و تسارعت الأحداث حيث عمد الروس إلى محاصرة القوات البحرية الأوكرانية، و استولوا على البرلمان، ثم أقالوا عمدة أهم مدينة و هي سيفاستبول، التي يبقبها الروس بمجد البحرية الروسية، ثم تم إعلان تنظيم استفتاء تقرير المصير يوم 16 من شهر مارس 2014، سبقه اعتماد مشروع قانون من الكرملين مفاده، إمكانية قبول انضمام أي أرض إلى روسيا بناء على رغبة شعبها، و هو ما يؤكد التخطيط المسبق لهذا السيناريو، الذي انتهى بضم جزيرة القرم بالقوة تحت زعم وجود استفتاء شعبي يريد الاضنمام إلى روسيا، و هو الاستفتاء الذي عارضه سكان القرم الأصليون، و هم مسلمو تتار القرم، و انتهى الأمر بتوقيع بوتين يوم الجمعة 20 مارس مرسوما رئاسيا  بضم جزيرة القرم إلى الفيدرالية الروسية.
 
العالم يتغير بعد 16 من شهر مارس..
 
إن ضم روسيا لجزيرة القرم مثل صدمة قوية في الداخل الأوروبي، فأوروبا لا تزال تستحضر أثار الحرب العالمية الأولى و الثانية، و ما خلفتاه من أثار عميقة، جعلت الأمن الأوروبي على قمة اهتمامات الأوروبيين، على مدار العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية،  لذلك يأتي اهتمامهم بتقوية حلف الناتو دوريا و بشكل مطرد؛ من باب الحفاظ على قوة الردع التي تؤمّن الأمن الاستراتيجي لأوروبا قاطبة، لذلك استيقظ الأوروبيون أخيرا مما يسميه واضعوا سياسة الناتو من الغفلة الأمنية، التي ظهرت بوضوح أمام التراخي الأوروبي للغزو الروسي لجورجيا سنة 2008، عندما كانت روسيا على مقربة من تصفية ميخائيل ساكاشفيلي، و خذلت أوروبا الشعب الجورجي الذي كان يطمح لانضمام إلى الاتحاد الأوروبي و إلى حلف الناتو، حينها تعالت أصوات  كثيرة تنبه الأوروبيين إلى أن تخاذل القارة العجوز أمام طموحات روسيا بوتين، التي أقدمت على قضم جورجيا أمام كل العالم ستكون له تداعيات خطيرة، و هو ما حدث فعليا في 16 من شهر مارس 2014، عندما ضمت روسيا جزيرة القرم في سابقة تاريخية لم تحدث بعد الحرب العالمية الثانية، و هو الأمر الذي غير تصورات كثيرة بالعالم، و بأوروبا الشرقية خصوصا، حيث لم تشهد أوروبا تغيرات في الحدود منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، على الرغم من ظهور بؤر توتر في القارة، لعل أبرزها مشكلة كوسوفو و مولدافيا و جورجيا، و هي المشكلات التي لم يكن يرى الأوروبيون فيها تهديدا حقيقيا لهم، باعتبار ما حدث لم يؤدي لقضم أجزاء من دولة و ضمها لدولة أخرى بقدر ما كانت تغيرات داخل الدول لكن الذي حصل في القرم يعد سابقة لم تشهدها أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، الشيء الذي ترك تداعيات كبيرة على الواقع الجيوسياسي و الجغرافي بأوروبا، و هو ما سنحاول تبيينه في التفصيلات التالية.
ماذا ربحت روسيا و ماذا خسرت..
 
يعتقد فلاديمير بوتين أن ضم جزيرة القرم هو حق تاريخي لروسيا بعد أن منحها نيكيتا خروتشوف-أوكراني الأصل- سنة 1954 لأوكرانيا، و يرى الرئيس الروسي أن هذا المنح المجاني كان خطأ استراتيجيا، رهن مستقبل و مصير روسيا؛ أمام طموحات حلف الأطلسي المتنامي.
 
روسيا ربحت موطيء قدم استراتيجي في المياة الدافئة بالبحر الأسود، خاصة أنها كانت تشعر بالقلق من امكانية فقدانها الواجهة البحرية الأخيرة لها خارج المجال الحيوي الروسي، و الوحيدة  في البحر المتوسط، و هي قاعدة طرطوس البحرية  بسوريا، فقد شكلت الثورة السورية تهديدا حقيقيا للتواجد الدائم للأسطول الروسي على ضفاف المتوسط، مما جعلها تضع في الحسبان فقدان هذا المرفأ الاستراتيجي، بدليل أن الروس تفاوضوا مع جمهورية الجبل الأسود لأجل تأجير مرفأ بحري يكون مربضا قارا للأسطول الروسي، بعد أن فقدت روسيا رومانيا و بلغاريا كحليفين سابقين لموسكو، خاصة أن رومانيا و بلغاريا تتحكمان مع تركيا في مضيق البوسفور، إلى جانب وجود هذه الدول الثلاثة داخل الحلف الأطلسي، و هذا ما يؤرق روسيا، رغم أن الاتفاقيات الدولية التي وقعت بشأن هذا المضيق، تنص على محدودية السفن التي يجب أن تمر و تتواجد بهذا المضيق الاستراتيجي .
 
 
و يجب التأكيد على أن روسيا حققت بضمها القرم مكسبا أخر، و هو إنهاء التهديد الأوكراني في البحر الأسود ، و هوالأمر الذي كان يرعبها، بسبب خوفها من التوجه الجديد لأوكرانيا نحو الغرب، و خوفها من التطلع للانضمام إلى الحلف الأطلسي، و الذي يعني إطباق الحصار على روسيا في المياه الدافئة، و جعل درجة المناورة لديها  تكاد تكون منعدمة، و هذا ما يفسر قيام موسكو  سنة -2010 بعد فوز الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش برئاسة أوكرانيا - و هو المسمى بالابن البار لروسيا، لتفانيه في خدمتها،- بعقد اتفاقية هامة مع يانوكوفيتش، تنص على تمديد تأجير المرفأ الاستراتيجي في جزيرة القرم و مدينة سيفاستبول لصالح الأسطول الروسي المرابض هناك إلى سنة 2045.
 
روسيا لم تكتف بهذه الخطوة، بل قامت بتحريك سكان شرق أوكرانيا، الذين يدين أغلبهم بالانتماء القومي لروسيا، و يعتبر شرق أوكرانيا ورقة ضغط قوية في يد روسيا، التي قامت ببناء الكثير من المصانع و الجامعات هناك، حتى صار بمثابة القلب النابض للصناعات الثقيلة و الاستراتيجية لأوكرانية، و سبب اهتمام روسيا بالشرق الأوكراني، هو أن أوكرانيا تعتبر دولة حديثة تشكلت بعد الحرب العالمية الأولى، أي أنها هجين من عدة اثنيات لم تتعايش فيما بينها قرونا، بل لم تكمل القرن الواحد، لذلك لا يعرف توجهها المستقبلي بدقة، خاصة أن الغرب الأوكراني يحمل القابلية للاندماج في منظومة القيم الحاكمة لغرب أوروبا، و ثانيا لأن غرب أوكرانيا وقف بقيادة ستيفان بانديرا، الزعيم الروحي القومي  للأوكران في وجه روسيا في الحرب العالمية الثانية، و حارب الجيش الأحمر، حتى شكل خطرا حقيقيا على استقرار السوفيات، مما جعل روسيا التي كانت العقل المدبر لكل الخطوات التي خطاها الإتحاد السوفياتي، تستشرف المستقبل الأوكراني، و يستشعر قادتها الخطر الذي قد يأتي من أوكرانيا، لهذا شجعوا الشعب الروسي على الهجرة إلى كل الدول المكونة للإتحاد السوفياتي، و من بين الدول التي توجه إليها الروس شرق أوكرانيا، بسبب وجود  الأقطاب الصناعية و العلمية و بنية تحتية قوية و متينة، ووقوعه في مساحة مسطحة شاسعة أيضا،  فاستعملت هذا السلاح الفتاك لزعزعة أوكرانيا، حيث تسارعت الأحداث، وبدأ الأوكرانيون من أصل روسي إعلان تمردهم على السلطات الجديدة لكييف، و يبدو أن معرفة روسيا بجغرافيا الدونباس ساعدت على سرعة انتشار التمرد و الفوضى بالدونباس، لأن روسيا لا تزال تحتفظ بالأرشيف الأوكراني إلى اليوم، و ترفض تسليمه لكييف، بالإضافة لاختراقها المؤسسات و الأجهزة السيادية الأوكرانية بشكل شبه شامل، و هذا ما يفسر السقوط السهل و السريع لكبرى المدن في حوض الدونباس، و نقصد بهما دونيتسك الغنية بمناجم الفحم و الطاقة، و لوغانسك المتاخمة لروسيا، حيث سلمت الشرطة الأوكرانية، أسلحتها و أخلت كل مقارها، بل إن رجال الشرطة انضموا إلى الحركة الانفصالية، ثم حركت روسيا سلاحا أخر بعد أن تمكنت الدعاية الإعلامية الروسية من تجييش المشاعر القومية لسكان الدونباس، فبدأت الأسلحة و قوافل الدبابات و المدرعات و مجموعات المرتزقة تتدفق بشكل يومي على دونيتسك و لوغانسك، معقلا الحركة الانفصالية الموالية لروسيا، و سبب اهتمام روسيا بزعزعة الشرق الأوكراني يتلخص في أهداف هي: زعزعة أوكرانيا و نشر الفوضى؛ من أجل إفشال الثورة الجديدة؛ بسبب الخسائر التي ستثقل كاهل الحكومة الأوكرانية، و ثانيا بعد تأكد روسيا من إصرار الأوكران على التوجه نحو الغرب، خطط الروس لجعل مسرح المواجهة بينهم و بين الغرب في شرق أوكرانيا، بعيدا عن موسكو، خاصة أن لروسيا ثلاث بوابات رئيسة و هي ، أسيا الوسطى، و القفقاس، و أوكرانيا.
 
 
و قد كان الخطر دائما يأتي من أوكرانيا، فعبر سهولها عبرت جيوش الامبراطورية السويدية نحو روسيا، و التي يشير إليها المؤرخون بمعركة بولتافا، أحدة المعارك الهامة التي غيرت تاريخ أوروبا إلى اليوم ،في ما يعرف في التاريخ بالحرب الشمالية العظمى، و الحروب النابليونية التي انتهت بتدمير كبير لروسيا، و احتلال موسكو في القرن 19، ثم الحرب الوطنية العظمى بين الروس و بين الألمان، حيث عبر أوكرانيا عبر أكثر من 4.5 مليون جندي ألماني و أجنبي السهول الأوكرانية نحو روسيا، و تاريخا كانت أوكرانيا محط رحال الحملات العسكرية ضد روسيا، ففي سهولها كانت تستريح الجيوش، و تستعد للحرب من خلال إعادة ربط شبكة الإمدادات و توفير المؤونة من خلال المزارع و البساتين التي تحتويها الأراضي الأوكرانية، هذه الاحداث جعلت الوعي القومي الروسي ينظر إلى أوكرانيا أنها بوابة التهديد الدائم لوجوده الحضاري، لذلك يصر على السيطرة عليها، و التحكم في مقدراتها و قرارها السياسي اليوم، مع وصول طلائع حلف الأطلسي إلى الحدود الروسية عبر دول البلطيق و على المياخ الدافئة في البحر الأسود.
 
و ثالثا فإن كل الانتصارات التي حققها الروس على خصومهم عبر المحطات التاريخية الكبرى، كانت بفضل قسوة المناخ، و انقطاع الإمدادات عن الجيوش الغازية في أوكرانيا، و هذا ما يفسر محاولة روسيا السيطرة على هذه المسااحات الشاسعة، للاستفادة منها مستقبلا في أي حرب مستقبلية.
و رابعا فإن روسيا قد أعاقت فعليا أوكرانيا عن تحقيق هدفها بالصيغة و السرعة التي أرادتها النخب الجديدة الموالية للغرب، بسبب التكلف الضخمة للحرب، و تأمل موسكو بأبعد من ذلك، و هو فشل المشروع الأوكراني في الالتحاق بالاتحاد الأوروبي.
 
أما خسائر روسيا جراء ضم جزيرة القرم و التدخل في شرق أوكرانيا، فلعل أبرزها على المدى القصير، أولا  وقوعها في عزلة دولية، سرعان ما فتئت تتنامى يوما بعد يوم، و هو ما يفسر السهولة التي وجدها الاتحاد الأوروبي في إقناع الأوروبيين بجدوى تجدي العقوبات في نهاية شهر جانفي من السنة الحالية.
 
ثانيا تعرض روسيا لعقوبات اقتصادية قوية، أقرها الإتحاد الأوروبي، و مست عدة مجالات حيوية روسية، حيث ألغيت الكثير من المشاريع المشتركة، و تم إيقاف توريد الكثير من التكنولوجيات التي تدخل في الصناعة الثقيلة و الاستراتيجية ، التي تحتاجها روسيا؛ خاصة أنها متأخرة كثيرا عن التطور التكنولوجي الذي تعيشه أوروبا، كما تم فك الارتباط بين الإتحاد الأوروبي و روسيا، و وقف التعاون في مجالات الصناعات الحربية الاستراتجية، و الصناعات الالكترونية، و مجال الطاقة ، و أبحاث الفضاء، و كذلك توقيف التعاون مع روسيا في مجال بناء بنية مصرفية روسية قوية.
 
ثالثا: و لعله الأمر الأخطر، و هو توقف نمو الاقتصاد الروسي، و دخوله مرحلة العجز، بسبب العقوبات الاقتصادية، ما أدى بالمستثمرين الروس و الأجانب إلى سحب أموالهم  من 
روسيا، حيث تم نزوح أكثر من 150 مليار دولار من البلاد سنة 2014 و هو ما خالف حتى توقعات البنك المركزي الذي توقع نزوح 100 مليار دولار على أقصى تقدير، يؤكد مدير المركز الأوروآسيوي في المجلس الأطلسي جون هيربست على هذا فيقول 'إن العقوبات الاقتصادية الغربية على روسيا تركت أثارها على روسيا، حيث تم تسجيل تراجع في النمو الاقتصادي الوطني، أكدتها تصريحات المسؤولين الروس، وهناك هروب كبير لرأس المال من روسيا' ، و بسبب تدهور أسعار النفط و العقوبات الغربية، خسرت روسيا الكثير من احتياطاتها المالية، عندما حاولت وقف السقوط الحر للعملة الروسية الروبل، التي فقدت أكثر من 50 بالمائة من قيمتها، حيث تم بيع العملات الأجنبية من احتياط الصرف الأجنبي، و تم رفع معدل الفائدة إلى 17 بالمئة، لكن كل ذلك تهاوى بعد شهر واحد من استنفاذ هذه الإجراءات مفعولها، حيث و مع نهاية شهر جانفي، عاود الروبل سقوطه الحر، و هو ما كبد روسيا خسائر فادحة.
 
كما أن الشعب الروسي يعاني من انهيار القدرة الشرائية بسبب انهيار العملة المحلية، و هو الذي قبل بالصفقة غير المعلنة بينه و بين العصبة الحاكمة في الكرملين، التي تقوم على معادلة بسيطة، و هي توفير الحكومة معيشة مستقرة و جيدة، مقابل تخلي الشعب عن الحرية، أو المناداة بالديمقراطية الأوروبية التي صارت تنعم بها دول البلطيق و بولندا و رمانيا و بلغاريا على سبيل المثال.
 
و لعل الخسارة الأبرز لروسيا، خسارتها جوار الشعب الأوكراني، الذي يمتلك رصيدا لا بأس به من العداوة لروسيا تاريخيا ، فالأوكرانيون شعب لم ينس جراحاته التي تسببت فيها روسيا على مدى التاريخ، ففقي ثلاثينات القرن العشرين قتل ستالين 10 ملايين مزارع في غرب ووسط أوكرانيا، من أجل إحداث توازن ديمغرافي، كما أن مساهمة روسية الفعالة في إفشال الثورة البرتقالية، لا تزال راسخة في الوعي الجمعي الأوكراني، مما جعل الأمة الأوكرانية تعاني من مشاكل اجتماعية و اقتصادية خانقة، كما أن التدخل الروسي الداعم للتمرد و الانفصال عن أوكرانيا، و مساندته بالمرتزقة و المال و السلاح، زاد من تسارع نمو القومية الأوكرانية المناهضة لروسيا، خاصة مع سقوط ألاف القتلى من الأوكرانيين على يد الانفصاليين و المرتزقة والقوات الروسية التي أكدت أوكرانيا و الغرب دخولها إلى شرق أوكرانية.
 
أوكرانيا مخرجات الثورة و ضريبة الحرية
 
أوكرانيا هي ذلك البلد العازل بين أوروبا و روسيا، - و لعل اسمها يشير إلى سبب تسميتها بأوكرانيا ذلك، فمن معاني كلمة أوكرانيا الحافة فهي تقع على حافة القارة الأووربية- و أوكرانيا أكبر بلد أوروبي خارج الاتحاد الأوروبي، و ثاني أكبر بلدان أوروبا الشرقية، عانت تاريخيا من الغزو الخارجي، رغم تمتعها دوما بالقوة و الأرض، مما أدى في كثير من المرات إلى تقاسمها بين القوى الإقليمية المجاورة لها، فخضعت أجزاء منها للامبراطورية الليتوانية، و أخرى للامبراطورية البولندية، بعد أن انهارت في القرن 12 ميلادي، بسبب الغزو المغولي للبلاد، رغم أنها كانت تعيش عصرها الذهبي قبله، و هي تمتلك أكبر جيش في أوروبا، و أراض خصبة، لذلك يعتبرها الأوروبيون السلة الغذائية المستقبلية لهم، فوجود الأنهار جعلها بلدا يتمتع دوما بالاكتفاء الذاتي في غذاءه، و هو الأمر الذي كان يركز عليه الغزاة تاريخيا، فمن أسباب إصرار هيتلر على ضمها لألمانيا، أنه كان يعتبر احتلاله لها  أمرا قد يحقق لألمانيا رخاء في الغذاء، و هو الأمر الذي عاد اليوم بشكل أخر، فأوروبا تريد ضمها إلى ما بات يعرف بالشراكة الشرقية،- و هو المشروع الذي ظهر بعد الحرب الروسية الجورجية- نظرا للمقدرات الإنسانية -46 مليون نسمة- و الزراعية و الصناعية الهامة التي يزخر بها هذا البلد.
 
 
عادت للواجهة في في أوائل القرن العشرين، حيث ساهم البلاشفة في تكوينها،  بعد أن كانت مقسمة إلى أربعة أجزاء هي :
 
- قسم تابع لروسيا عاصمته كييف حيث كان البولشفيون يُسيطرون؛
 
- قسم تابع لبولونيا وهو القسم الذي كان تحت سيطرة الأمبراطورية النمساوية؛
 
- قسم سُمّي "أوكرانيا الصغيرة" وتمّ ضمّه إلى تشيكوسلوفاكيا؛
 
- والقسم الأخير سُمّي بالـ "بوكوفين" وتمّ ضمّه إلى رومانيا. 
 
و في هذا الصدد يقول أوليغ نيمينسكي وباحث في معهد الدراسات السلافية: " لا تعدّ الدولة الأوكرانية نتيجةَ تقرير الأوكرانيين لمصيرهم، فقد شكَّلها البلاشفة من أقاليم مختلفة جداً، وعلى مدى سنوات طويلة كانت الحياة السياسية الأوكرانية تتحدد عبر المواجهة ما بين قسمين متساويين تقريباً من جمهور الناخبين، وهما الغرب مع المنطقة الوسطى التي تميل نحوه والجنوب الشرقي، ذلك أن سكان هذه المناطق مختلفون من الناحية الثقافية، ففي الجزء الشرقي تسود اللغة الروسية بصورة مطلقة، أما في الغرب فاللغة الأوكرانية أكثر انتشاراً نسبياً، كما أنهما مختلفان اقتصادياً، ذلك أن الشرق صناعي بشكل أساسي، أما الغرب فهو زراعي.'' و من هنا يظهر جليا أن حداثة الشعب الأوكراني بمفهوم الدولة، كان سببا هاما للأزمة الحالية، حيث استغلت روسيا هذه الثغرة، لاستثارة الروح القومية للناطقين بالروسية، بعد أن أوعزت للألة الإعلامية الضخمة بإثارة النعرة القومية، و لذلك يضع الانفصاليون  إشارات ذات ألوان برتقالية و سوادء، ترمز لانتصار الروس في الحرب العالمية الثانية، و هو ما يعني أن روسيا تريد أن تجعل الشعب الروسي يعيش وهم وجود خطر غربي يماثل الخطر النازي، و سبب كل هذه الدعاية القوية؛ هو الخوف من الثورة الأوكرانية من أن تصل شرارتها إلى موسكو و سيبيريا، حتى أن النخب الروسية الموالية لسياسة بوتين لم تخفي كرهها و تشويهها للقومية الأوكرانية حيث يقول الإعلام الروسي ما ملخصه: اختلف جنوب ـ شرق أوكرانيا ما بعد الحقبة السوفييتية عن غربها بأنه لم يمتلك هويته الخاصة، ولذلك فإنه حتى عندما تواجد ممثلو الجنوب الشرقي ضمن هياكل سلطات كييف، فقد تُرك كل المجال الإنساني للسياسة بأيدي القوميين الأوكرانيين من غاليتشينا، فعلى مستوى إدارة نظام التعليم والسياسة الإعلامية خضعت جميعها لنزعة قومية موحدة، فالجيل الجديد من الأطفال الأوكرانيين يدرس الكتب المدرسية التي تعرض رؤية قومية متطرفة للتاريخ الأوكراني، وفي التلفزيون تُعرض باستمرار برامج حول الدعاية لأفكار القومية الأوكرانية المتطرفة، وها هي أوكرانيا تجني اليوم ثمار هذه التربية المدرسية والإعلامية'' فهذا النص يدل على مدى العداء الكبير الذي تكنه النخب الروسية لأوكرانيا، خاصة أنها دولة تحمل كل مقومات النجاح، تلك القومات التي لا يتملكه االروس، و هي المقومات الانسانية، كما أن الساسة الموالين لروسيا من الأكرانيين المنضوين تحت المنظومة الشيوعية، لم يخفوا غضبهم من ثورة 2013 لذلك  وجه الحزب الاشتراكي التقدمي مع مجموعة من المسؤولين السياسيين و الجمعويين إلى السكرتير العام للأمم المتحدة، لقادة الاتحاد الأوربي و الولايات المتحدة نداء جاء فيه ما يلي  " .. أن تظاهرات “الأوروميدان” تخدم أجندة خارجية، تهدف من خلال معاهدة مجحفة إلى النيل من السيادة الوطنية الأوكرانية” لصالح الشركات المتعددة الجنسيات ..وقد اتضح أن هذه الوثيقة تعارض إعلان السيادة الوطنية،الدستور،قرارات المحكمة الدستورية” وإرادة الشعب المعبر عنها في استفتاء 17مارس و1 ديسمبر1991." ... "  اتفافية الشراكة مع الاتحاد الأوربي تؤدي حتما إلى انهياراقتصاد، صناعة،فلاحة و القطاع العلمي للبلد..إنها مشروع مناهض لروسيا إذ يرمي إلى إخراج أسطولها من البحر الأسود،ويجر أوكرانيا إلى حلف الناتو''.  هذه المقتطفات المقتبسة من النداء الذي وجهته النخبة الشيوعية الأوكرانية الموالية لروسيا، تظهر مدى الاخطار التي كانت تحيط بالثورة الجديدة، التي استفادت من الدروس السابقة، خاصة أن القيادة الحالية لها، تربت في الغرب، و درست في جامعاته و تتحدث اللعة الانجليزية بطلاقة كبيرة، حيث ساهم كبير المنظرين الأمريكيين جون شارب في تكوينهم شخصيا، و هو ما تفطن له الروس، و فهموا أنهم يواجهون نخبة محنكة تفهم جيدا قواعد اللعبة، الشيء، فروسيا و النخب الأوكرانية الموالية لها، القادمة من الشرق الأوكراني، ترفض أن تدخل أوكرانيا في ما بات يعرف اليوم بالشراكة الأوربية الشرقية، و يصرون على ضمها إلى الإتحاد الأورواسي، و هنا نريد بسط القول في هذين المشروعين المتضادين، و اللذين ألقيا بظلالهما على أوكرانيا:
 
الشراكة الأوروبية الشرقية:  في سنة 2009 قامت روسيا بغزو جورجيا التي كانت تتمتع بحكم موال للغرب بقيادة ميخائيل ساكساشفيلي، في ما يعرف اليوم بحرب الأيام الخمسة، و كان السبب الظاهر هو الوقوف إلى جانب القومية الروسية الموجودة في أوسيتيا الجنوبية، لكن حقيقة الأمر كانت منع جورجيا من الانضمام إلى حلف الأطلسي، الذي يتشرط لعضويته أن لا تكون الدولة المتقدمة بطلب الانضمام في صراع مع دولة مجاورة لها، و هو ما حققته روسيا إلى اليوم، و هو الأمر الذي أثار مجموعة ألفسغراد ، و هي بولندا و المجر، و التشيك و سلوفينيا و السويد، و جعلها تقترح مشروع الشراكة الشرقية الأوروبية، الموجه نحو الدول الطامحة للتعامل مع، أوروبا لكنها تلقى معارضة روسيا، و هي : و جورجيا وأرمينياو أذربيجان في القفقاس، و بيلاروسيا و مولدافيا، و أكرانيا شرق أوروبا، و يعبر هذا المشروع عن نية أوروبا في تطوير سياسة الجوار الأوروبية، من أجل تطوير البعد الشرقي للسياسة الأوروبية الخارجية، التي تنوي في المستقبل تحقيق مشروع أوروبا العظمى، و يسعى هذا المشروع إلى التأثير على الداخل الروسي، من خلال تحقيق نماذج اجتماعية راقية، تجعل الشعب الروسي يتطلع إلى العيش ضمن مبادئها و قيمها، عبر تفعيل مشاريع الديمقراطية، و السوق الحرة، و إصلاح القضاء، و محاربة الفساد، و توفير سبل تعاون حقيقية في مجال الطاقة للتفلت من الهيمنة الروسية على الموارد الطاقوية التي تفتقر إليها أوروبا، مما يعني مستقبلا تغيير نظام الحكم داخل روسيا، الذي تعتبره النخب الأوروبية التهديد الأمثل لأمن أوروبا ووحدتها، و لابد من الإشارة إلى أن مشروع الشراكة الشرقية هو التفات أوروبي ذكي على السياسة الروسية، الرافضة لانضمام هذه الدول إلى الفضاء الأوروبي، بحيث يساهم في الأخير من وصول أمريكا إلى المياه الدافئة في البحر الأسود، و الوتغل في القوقاز، الغني بمصادر الطاقة، و خلق مجال اقتصادي حيوي، و هو ما فهمه الساسة الروس، حيث صرح سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي بماي يلي: " ما معنى هذه الشراكة الشرقية؟ أليست محاولة من الاتحاد الأوربي لتوسيع دائرة نفوذه؟ "
 
أما المشروع الثاني و الذي ذهبت أوكرانيا ضحية لحسابات الروس فهو ما بات يعرف في الأوساط السياسية بمشروع الإتحاد الأوراسي:
 
يرى فلاديمير بوتين أن انهيار الإتحاد  السوفياتي يشكل على حد تعبيره '' أكبر كارثة جيوسياسية  في القرن العشرين" و يرى أن الغرب التف حول الاتفاق الذي كان بين غورباتشوف  و أوروبا،  حيث حل السوفيات حلف وارسو، لكن الغرب لم يوفي بوعده بحل حلف الناتو، عندما أخلف الرئيس الأمريكي الأب جورج بوش بوعده، و يرجع سبب ذلك لعد أسباب من بينها التخطيط لضم شرق أوروبا الاستراتيجي، و حرمان روسيا من الاستفادة من أي فرصة لإنشاء تكتل إقليمي تكون دول شرق أوروبا محوره، ما جعل روسيا تطمح لتأسيس تكتل إقليمي بالعدد الأقل و الأهم من الدول التي لم تنضم بعد لفضاء دول شنجن.
 
  في  أكتوبر من سنة 2000 قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين " إن روسيا دولة أوراسية" ثم قال في 11 من نوفمبر 2011 –غداة التوقيع على مذكرة إنشاء الإتحاد الأورواسي، الذي تم التوقيع عليه رسميا في صيف 2014 ، و يدخل حيز التنفيذ ابتداء من الشهر الأول لسنة 2015- و بعد حفل توقيع  اتفاقية الأمن الجماعي بين روسيا و كازاخستان و بيلاروسيا و أرمينيا و قيرغيزيا وطاجاكستان وأوزبكستان " إن الطاقة التي تحملها الأفكار الأوراسية تكتسب أهمية فائقة اليوم حين نبني علاقات متساوية حقاً بين بلدان الرابطة" و أضاف "إنه المستقبل الذي يولد اليوم" .
 
هذه التصريحات المقتضبة تؤكد الحلم الكبير الذي يراود الروس في إعادة إحياء أمجاد القيصرية الروسية، حتى و إن صرح بوتين عدة مرات أنه إتحاد دمج و تكامل، و ليس على شاكلة الاتحاد السوفياتي المبني على الاستتباع، لذلك يريد فلاديمير بوتين أن يكون هذا الإتحاد شراكة فوق وطنية، تصل لأن تكون قطبا كاسحا للإتحاد الأوروبي و الهيمنة الأمريكية.
 
بل أن الروس يرون في الإتحاد الأوراسي مشروعا هاما لجذب دول أسيا الوسطى، و تركيا و إيران، خاصة أن الكثير من المصالح المشتركة تجمع هذه الدول مع روسيا و مع بعضها البعض، لذلك تقام الملتقيات و الندوات في هذه الدول لمناقشة هذا الكيان الاقتصادي، كما تهتم مراكز الدراسات الحكومية بهذه الدول بالدراسات التي تنتجها مختلف النخب، لمعرفة  مدى فائدته، و إمكانية الالتحاق به في حال ما تجسد على أرض الواقع.
 
لكن هذا المشروع لا يمكن أن يتحقق، و لا يمكن أن تكون له فعالية حقيقية دون أوكرانيا، لذلك رفض الروس فكرة استقلال أوكرانيا عن الهيمنة الروسية، التي تعني في الأخير ضربة قاصمة للمشروع الروسي، و هو ما يفسر التدخل الروسي لإفشال الثوة الأوكرانية عبر ضم جزيرة القرم، و إثارة الحرب في شرق أوكرانيا. خاصة أن الأمريكيين أبدوا منذ عقود خوفهم من ظهور هذا الشكل من التكتل  حيث يقول بريجينسكي بعد سقوط الاتحاد السوفياتي " يجب تفكيك أي تكتل أورواسي، و حرمان روسيا من ثلاث دوائر مركزية هي أوكرانيا أوزباكستان و أذربيجان'' و يظهر تصريح  هلاري كلينتون في دبلن على هامش اجتماع منظمة الأمن و التعاون الأوروبي في  ديسمبر 2011 المخاوف الأمريكية من محاولة إحياء تكتل أوراسي مناهض لأمريكا حيث قالت " إننا نشهد محاولة إحياء السوفييت في المنطقة بأسماء أخرى، فهي تارة اتحاد جمركي و أخرى اتحاد أوراسي، نعرف الهدف من هذا و نحاول أن نجد طرقا لمنعه".
ومن خلال هذا العرض الموجز للمشروعين، يظهر جليا أن وقوع أوكرانيا في المنطقة العازلة بين روسيا و أوروبا، جعلها تقع ضحية للحسابات الجيوسياسية للقوى العالمية و الإقليمية.
 
و رغم ذلك فإن أوكرانيا أعلنت صراحة عزمها على الالتحاق بالفضاء الأوروبي، للعيش ضمن المباديء  القيم الأوروبية، حيث يتمتع الإنسان الأوكراني بقابلية للعيش ضمن الفضاء الأوروبي، و يرجع السبب في تبلور قناعة راسخة لدى الشعب الأوكراني بأن التغيير الاجتماعي و الاقتصادي لن يأتي إلا بالتحرر من التبعية لروسيا و الانضمام للأوروبيين، حيث يعاني الأوكرانيون من المافيا المالية، حيث يسيطر رجال الاعمال المرتبطين بالكرملين على الحياة في أوكرانيا، و ينهبون ثرواتها، كما أن سيطرتهم شملت القضاء الذي طاله الفساد، ووصل الأمر إلى تشريع قوانين حامية للطبقة الأوليغارشية- القلة الحاكمة من رجال المال و الأعمال و الصناعة- التي تستأثر بخيرات البلاد، بينما تترنح الطبقات الاجتماعية في الفقر و البطالة، و غياب الخدمات، ولعل نظرة على متوسط الدخل الأوكراني تشير لمدى التدهور الذي وصلته البلاد، فمعدل دخل الفرد الواحد في أوكرانيا قبل سقوط العملة اليوم، لا يتجاوز 200  دولار شهريا، بينما متوسط الدخل في أوروبا 3300 يورو و هو فارق كبير جدا، خاصة أن بولندا و دول البلطيق كانت بالأمس القريب تعيش نفس المستوى المعيشي مع أوكرانيا، و هو الأمر الذي جعل الأوكران يحلمون بالانضمام للإتحاد الأوروبي، لتحقيق نهضة اقتصادية و اجتماعية على غرار الدول السابقة في الاتحاد السوفياتي مثل ليتوانيا و لاتفيا و بولندا.
 
و تنتفض أوكرانيا..إنه الربيع الأوكراني ..
 
ليست هي الثورة الأولى و لا الثانية، إنها الانتفاضة الثالثة لدرة التاج السوفياتي المنهار، و مركز الصناعات و سلة الخبز في الإتحاد السوفياتي سابقا و على مدار التاريخ، لقد أثبت الأوكرانيون أنهم العقبة الكؤود في وجه الحكم الروسي، حيث لم يستسغ الروس إلى اليوم خروجها عن سيطرة السوفيات، و فتحها الباب لاستقلال باقي الجمهوريات، ثم انتفضت أوكرانيا في مطلع الألفية الجديدة، و انتقم الروس منهم بسلاح الطاقة، لكنهم عادوا في 2013 أكثر إصرار مما مضى، و هم يعلمون تكلفة و ضريبة الحرية التي سيدفعونها بفضل النضج الذي وصل إليه الشعب الذي مرّ بمنعطفات ثورية عديدة، و هو الوعي الذي لم يتفطن له  الرئيس الروسي، و لم تتنبأ مخابراته بإمكانية وقوع ثورة حقيقية، فقد كانت روسيا تظن أن ما يحدث في ميدان الاستقلال مجرد فوضى تحركها أمريكا انتقاما من دور روسيا في سوريا، لذلك حاول رشوة الثوار بمبلغ 18 مليار دولار لعلهم يرجعون إلى بيوتهم، لكن الأوكران أداروا ظهرهم لهذا الإغراء، و لم يتوقفوا عند هذا الحد بل إنهم لم يلتفتوا نحو تحديد روسيا بقطع إمدادت الغاز عن بلادهم في مرات عديدة، و هي الرسالة التي فهم الروس منها، أنهم يواجهون هذه المرة ثورة ناضجة، عكس الشعب الروسي الذي رضي بتسليم حريته، مقابل تحسين معيشته، تلك القاعدة التي تدل في الوعي الشعبي الأوكراني على فاشية الحكم الروسي، لذلك فاجؤوا عصبة سان بطرسبورغ الحاكمة بالرفض و التحدي، بدليل عدم توقفهم عن الثورة رغم التقتيل و الخطف و الترهيب الذي مارسته الحكومة الموالية لروسيا أنذاك.
 
لقد كسرت الثورة الأوكرانية الوصاية الروسية على هذا البلد، و تحررت من عبث  ضباط المخابرات الروسية، الذين عاثوا في اوكرانيا فسادا، فهم من يقرر أولويات السياسة الداخلية، و هم من يتحكم بمقدرات الدولة، و هم من يضبط الصلات الخارجية للدولة.
 
حقق الأوكرانيون أخيرا الاستقلال الحقيقي الذي طالما حلموا به، و هو الخطوة الهامة من أجل بناء دولة عادلة على أساس التوزيع العادل للثروة، و تحقيق العدالة الاجتماعية.
 
خسر الأوكرانيون جزيرة القرم، و خسروا الكثير من مقدراتهم المالية، حيث هوت العملة إلى أدنى مستوياتها في تاريخ الدولة الأوكرانية، لكنهم ربحوا أشياء كثيرة، قال الكثير منهم من ميدان الثورة و من ساحات المعارك في الدونباس "لقد استفقنا، و صرنا نعرف معنى الأرض و الوطن، إننا عندما نسمع النشيد الوطني الأوكراني نفهم معانيه، التي تتحدث عن الأخوة و مقاومة الأعداء و الحرية، فالوعي بالذات الجمعية من أهم ما تحرص عليه الشعوب الواعية"
 
أوروبا..و الحريق الأوكراني
 
خسرت أوكرانيا الكثير جراء محاولتها الانضمام إلى أوروبا، فخسرت جزيرة القرم، ثم ما لبثت أن خسرت اجزاء هامة من حوض الدونباس الاستراتيجي و المعروف بحوض التعدين، لكن مع امتداد الوقت على الأزمة الأوكرانية بدأت الخسائر الأوروبية تظهر على الساحة الأوروبية، و يمكن تنصيفها إلى أقسام:
الجانب الأمني:
 
لا تزال الأثار النفسية التي خلفتها الحرب العالمية الثانية، تلقي بظلالها على الأمن في أوروبا، حيث يعتبر الأمن و السلام مركز السياسات الداخلية و الأوروبية، و لذلك يحاول الأوروبيون توسيع الاتحاد الأوروبي ليشمل كل القارة من غربها إلى شرقها، من أجل تعميم مناخ السلام و الاستقرار، لكن المشكل الرئيس الذي يواجه هذا المفهوم الأوروبي للأمن، هو المفهوم الروسي للأمن، جاء في التقرير الاستراتيجي الذي أعده حلف الناتو " قد أدى واقع كون الغرب وروسيا قد رسما طوال معظم السنوات الخمس عشرة الأخيرة خلاصات شديدة الاختلاف حول أسباب مراحل حقبة ما بعد الحرب الباردة ونتائجها، مثل ثورة الألوان في جورجيا وأوكرانياـ وأزمات الغاز في العامين 2006 و2009 والحرب الروسية-الجورجية في 2008، إلى تعظيم هذا التباين في فهم الأمور. وما الأزمة الأوكرانية سوى مثال آخر على ذلك"  فالروس ينظرون إلى النظرية الأوروبية الأمنية على أنها تهديد قوي لمستقبلهم و أمنهم القومي، خاصة مع وصول الحلف الأطلسي إلى دول البلطيق و نفوذه إلى المياه الدافئة في البحر الأسود، و هو الأمر الذي بدأ يقلق الأوروبيين كثيرا، خاصة مع فشلهم في التنبؤ بالحرب الروسية على جورجيا، و فشلهم في ردع بوتين عن أطماعه هناك، حيث يشدد خبراء السياسات الأمنية و الخارجية الأوروبية ، على أن أوروبا ارتكبت خطأ فادحا عندما استأنفت العلاقات مع روسيا بعد خمسة أشهر من نهاية الحرب الجورجية الروسية سنة 2008، و هو الامر الذي تأكد عندما تجرأ الروس على خرق كل مباديء القانون الدولي، بضمهم لجزيرة القرم، و زعزعتهم للاستقرار في شرق أكرانيا، يقول وزير خارجية ليتوانيا لينس لينكفيتشوس في حديثه لمجلة الناتو في مارس 2014 " عندما قامت روسيا بضم مناطق جورجيا الواقعة في جنوب أوسيتيا وأبخازيا في عام 2008، حذر بعض السياسيين الغربيين من أن روسيا لم تنته بعد. لقد قلنا في ذلك الوقت أن الأمر سيتطور لما هو أبعد من ذلك، ولكن لم يستمع إلينا أحد. وقد ذكرنا، بالمناسبة، شبه جزيرة القرم، وذكرنا ترانسنيستريا. وقد جاء الدور على شبه جزيرة القرم، وربما لم يأت دور ترانسنيستريا، لكن من يمكنه استبعاد ذلك؟ لقد تعلم الروس دروسًا من عام 2008. وللأسف، لم تتعلم الدول الغربية دروسًا بنفس القدر. وأبدت العديد من الدول الغربية اهتمامًا بالحفاظ على استقرار العلاقة مع روسيا .. أعتقد أن رد الفعل تجاه غزو جورجيا كان ضعيفًا للغاية في المقام الأول، ومستغربًا إلى حد ما في المقام الثاني. وقد قلنا بعد ذلك في عام 2008: دعونا نتسق مع أنفسنا. دعونا نفعل ما قررناه. دعونا ننفذ ودعونا نتمسك بذلك، كما تعلمون،لأننا أدلينا بتصريحات جيدة جدًا في ذلك الوقت، وقدمنا مطالب جيدة جدًا. يمكننا إلقاء نظرة على ذلك. الوثائق متاحة. في الاجتماعات والاتصالات... لقد قضينا بعض الوقت في الصياغة والتنظيم.وعدنا بعد شهرين إلى العمل كالمعتاد. يشعر البعض أن رد فعل الغرب يمكن أن يكون قد عزز مزيدًا من الثقة في الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.إن حسابات رجل لديه تاريخ في الاستخبارات السوفيتية، وممارس لرياضة الجودو؛ وفي هذا السياق فإن ذلك يعني أنه يستغل قوة الخصم في طرحه أرضًا، كما أن الرجل له تاريخ في التعامل مع عصابات بطرسبرغ، وكما ذكر البعض، فقد كان همجيًا في فترة شبابه.إن التصور العام في موسكو هو أن الغرب ضعيف. أنا لا أسعى إلى إجراء تحليل نفسي لبوتين،لكن هذا هو الشعور العام في الطبقة السياسية. وأنا أتفق بالفعل مع ذلك.أنت تنظر إلى أكثر إدارة" هذا التصريح لوزير خارجية ليتوانيا التي تعد دولة رائدة في التصدي للسياسات الروسية إلى جانب بولندا، يظهر الخوف الكبير الذي يتملك دول شرق أوروبا، التي كانت في السابق عضوا في حلف وارسو، مثل بولندا خاصة مع توالي التصريحات الروسية المهددة    في تصريح لجريدة روسيا ما وراء العناوين، يقول يوري بالويفسكي، القائد السابق للأركان العامة للجيش الروسي:" لن يكون في العقيدة الجديدة للأمن القومي- التي يجري اليوم الإعداد للإعلان عنها بسبب التحديات المستجدة لأمن روسيا- فقرة حول توجيه ضربة نووية وقائية في حالة نشوء تهديدات لأمن دولتنا. ومع ذلك، تحتفظ موسكو لنفسها بحق امتلاك السلاح النووي وبحق استخدامه في حالة الضرورة".    و يضيف دميتري ليتوفكين لروسيا ما وراء العناوين " ترى روسيا في التهديد العسكري المتمثل في توسيع حلف شمال الأطلسي نحو الشرق دافعاً يجبرها على تحديث أسلحتها النووية الاستراتيجية. وفي هذا السياق، طورت روسيا أنواعا جديدة من الصواريخ الباليستية، كما تواصل تحديث طيرانها الاستراتيجي وبناء غواصات جديدة ونشر منظومة حديثة لرصد المجال الفضائي." و هي التصريحات التي أخذها حلف الأطلسي على محمل الجد، فقام بإنشاء ست مراكز قيادة و نشر قوات سريعة التحرك هدفها التمهيد لوصول قوات أضخم في حال وجود هجوم على دول أوربا الشرقية المنضوية تحت الحلف.
 
إن أهم ما تواجه أوروبا أمنيا، إثبات قدرتها على كبح جماح أي تحد روسي، فغالبية دول شرق أوروبا تمتلك جيوشا ضعيفة، و ضئيلة الحجم، و لا يمكنها مواجهة القوة الروسية المتنامية منذ الإصلاحات التي أدخلت على الجيش الروسي سنة 2008.
 
كما تواجه أوروبا تهديدا أخر و هو استمرار السياسة الروسية الرامية للتشويش على السلام الأوروبي، ومنع دول البلقان من الانضام إلى الإتحاد الأوروبي، بدليل زيارة بوتين إلى صربيا، و ضغط روسيا على دول البلقان ، ففي 5 من شهر ديسمبر 2014   حث الاتحاد الأوروبي روسيا على ألا تقحم بلدان غرب البلقان في النزاع المتزايد بين موسكو والغرب بشأن أوكرانيا وهو ما يوضح القلق خشية أن تصبح هذه المنطقة محلا آخر للتوتر بين الشرق والغرب.
 
وتتطلع بلدان غرب البلقان إلى نيل عضوية الاتحاد الأوروبي لكن دبلوماسيين يقولون إن موسكو تستغل الأوضاع الاقتصادية الصعبة والمشاعر الموالية لروسيا بين بعض السلاف الأورثوذكس لبناء نفوذ لها في المنطقة.
 
 
وفي إشارة إلى "التوترات" بين الإتحاد الأوروبي وروسيا قالت فيديريكا موغيريني منسقة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي التي كانت تقوم بزيارة للبوسنة إنه من مصلحة الجانبين "إيجاد وتطوير سبل التعاون لا سبل التنابذ." وقالت في مؤتمر صحفي  موجهة رسالة لروسيا "لا شك أنها ستكون فكرة جيدة إبقاء غرب البلقان بعيدا عن هذه التحركات "
 
و لذلك فإن متاعب أوروبا ستزداد بشكل مطرد، في حال ما استمر الروس في النفث في روح القومية لدى شعوب البلقان، واستعمالها كسلاح مضد للدعاية الأوروبية التي تريد استقطاب هذه الدولة التي تعاني من وضع اجتماعي و اقتصادي هش.
 
يقول دونالد توسك رئيس الوزراء البولندي الساق و ب " إن روسيا تمثل تهديدا استراتيجيا لأوروبا، لذلك يجب وضع خطط طويلة الأمد للتعامل مع هذا التهديد" .
 
لقد أدرك الأوروبيون أنهم يواجهون خطر محدقا بهم، لذلك تتداعى المؤسسات الامنية لدراسة كافة التحديات و الحلول التي نتجت بعد نشوب الازمة الاوروبية، و مؤتمر ميونيخ من شهر فبراير2015 هو أحد المؤتمرات التي ناقشت كثيرا قضية الخطر الروسي على الا/ن القومي الأوروبي. 
 
غير أن معاناة الأوروبين من أزمات داخلية كثيرة جعلتهم ينكفؤون على أنفسهم، مما يجعل مواجهة الأمر بشكل حاسم و فعال غير متاح الأن، و الدليل أن أوروبا لا تزال منقسمة في قضية العقوبات على روسيا.
إن أوروبا توشك أن تخسر ثقة أعضاءها في قدرتها على حماية دولها من التهديد الروسي ، و ما تململ المجر و سلوفاكيا و اليونان و ميلهم نحو الروس سوى مظهر من مظاهر هذا الضرر البالغ الذي أصاب المنظومة الأمنية الأوروبية.
 
-وتعاني  أوروبا من ظهور آلة إعلامية روسيا قوية، تمارس بروباغندا خطيرة، حيث نجت في جعل المواطن الروسي يصطف إلى جانب القيادة الروسية،و يعادي التوجهات الأوروبية و الأمريكية أيما عداء، هذه البروباغندا التي ظهرت بعد أن تمكن بوتين من كسر كل القنوات المستقلة حيث أُجبِرت قناتا “بوريس بيريزوفسكي” و”فلاديمير غيزينسكي” اللتان تمثلان قطبين مهمّين في المشهد الإعلامي الروسي على ترك إمبراطوريّتيهما الإعلاميتين ومغادرة البلاد، وفي الوقت الراهن يدفع فلاديمير بوتين مئات الملايين من أجل مقابلات تلفزيونية ضحلة على سبيل ما يفعله الرئيس الإيطالي سيرفيو بيليسكوني، ويطغي في هذه المقابلات بروباغاندا ضد الغرب وضد أوكرانيا. 
 
يقول الخبراء الأوروبيون في تقرير نقلته رويترز "أين جواب الغرب على كل هذا؟ كل هذا الكم من الأفكار حول “التواصل الإستراتيجي”، لقد قام الناتو بإنشاء وحدة خاصة به تعمل على البحث عن آليات للتصدّي لروسيا في هذا المجال، أما في الاتحاد الأوروبي فهناك مخططات ليتوانية وأخرى إيستونية، كما بعثت كل من الحكومة البريطانية والحكومة الدانماركية رسائل للمفوّضية الأوروبية في بروكسل في نفس الإطار، وعرض الهولنديون نصف مليون يورو لاستغلالها في تمويل إحدى المشاريع المقترحة، وحتى المنظمة الغير حكومية تدخّلت في هذا الشأن، وأخيرًا أخذت فيديريكا موغيريني الممثلة السامية للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية التعليمات بأن تأخذ على عاتقها مقاومة البروباغاندا الروسية."
 
و يمارس الروس الكذب دون انقطاع، قال ممثل الحكومة الليتوانية المهتم بشأن البروباغاندا الروسية حول عمل الأخيرة: “إنهم يكذبون بدون انقطاع، إنهم يُخفون الحقائق، إنه أمر مثير للاشمئزاز، فالبروباغاندا أمر غير أخلاقي وغير مؤثر”، إنه مُحق في معظم ما قاله – ماعدا آخر كلامه -،  فالبروباغاندا كما تُبين ذلك القناة الأمريكية المحافظة “فوكس نيوز” لها تأثير كبير جدًا، ويبقى الغرب عاجزًا عن مجابهة ما وصفتها فيكتوريا نولاند بأنها “حملة بروباغاندا جديدة وشريرة ومموّلة من الخارج والتي تبُث على شاشاتنا وفي مجالنا الإعلامي العمومي”، وقد أضاف ممثل الحكومة الليتوانية قائلاً: “الكل متفقون على أنه لابد أن يحدث شيء ما، ولكن ماذا؟” هذا السؤال لا يزال محور نقاش"
 
إن أوروبا تواجه مأزقا كبيرا، زاد من حدته صعود اليمين المتطرف، الذي يميل إلى روسيا، خاصة أن الأخيرة قدمت قروضا بملايين الدولارت للأحزاب اليمينة الأوروبية، مكافأة لها على حضورها الاستفتاء المزعوم الذي نظمته روسيا في جزيرة القرم، و هي الأحزاب التي قد تثير الكثير من المشاكل و القلاقل داخل القارة الأوروبية، فقد أيد حزب ماري لوبان، و الحزب الشيوعي في ألمانيا سياسات بوتين، و خرجت مظاهرات في ألمانيا مؤيدة لروسيا.
أما الجانب الاقتصادي فقد دفعت أوروبا ثمنا باهظا، عندما قامت روسيا بمنع السلع الغذائية من دخول روسيا، و مهو الأمر الذي سبب للأوروبيين خسائر فادحة، وصلت إل 50 مليار يورو سنة 2014، و اضطرت الكثير من الحكومات كفرنسا و إسبانيا لأى تقديم دعم مالي لابأس به للمزاعرين الأوروبيين.
 
و تواجه ألمانيا خطر إغلاق 6000 شركة ألمانية تنشط في روسيا، و يعمل بها أكثر من 3 ملايين ألماني.
كما أن السياسات الأمنية تتطلب ضخ أموال إضافية لدعم موازنة الدفاع ، مما ينهك الاتحاد الأوروبي، الذي لم يتعافى بعد من الأمة المالية العالمية.
 
و إلغاء روسيا لمشروع ساوث ستريم الطاقوي بين روسيا و الإتحاد الأوروبي يعد ضربة موجعة أخرى تلقتها أوروبا، و هو المشروع الذي كان ينتظر منه إنهاء أزمة الطاقة في أوروبا، و كان وراء إلغاء الصفقة الأمريكان، مما يدل على أن القرار السياسي الأوروبي صار ضعيفا أكثر بعد أزمة أوكرانيا، التي أثبتت أن أوروبا دون القوة الأمريكية قد تتعرض لخطر يهدد وجودها ككتلة واحدة.
 
لقد أدرك الأوروبيون أنهم و إن كانوا يمثلون ثقلا اقتصاديا عالميا إلا أن القرار السياسي يبقى ضعيفا، و عاجزا عن مواجهة التحديات الكبرى، مما يجعل أوروبا ترجع مرة أخرى إلى أحضان السياسة الأمريكية، 
التي تهدف إلى احتواء أوروبا، و جعلها تابعة للسياسة الأمريكية،التي نهدف من بين ما تهدف إليه إلى  إلغاء التقاليد الأوروبية العتيقة، و إحلال النظم الليبيرالية المتطرفة بنظر الكثير من المنظرين الأوروبيين مثل الكسندر دوغين.
 
أوروبا هي الخاسر الأكبر من الازمة الأوكرانية خارج الحدود الأوكرانية، و لذلك بدأ الساسة الأوروبيون يدقون ناقوس الخطر و يعيدون تقييم مفهوم الامن القومي الأوروبي نظرا للتهديدات الجادة التي يشكلها الروس، خاصة مع تصريح بريدلوف الجنرال الأمريكي في الناتو أن روسيا قد تصبح قادرة على فتح أكثر من جبهة بعد ثلاث سنوات من الأن.
 
أمريكا الرابح الأكبر..
 
حصدت أمريكا مكاسب كبيرة، من وراء الأزمة الأوكرانية، فبعد ضم روسيا جزيرة القرم، أعطاها ذلك فرصة كبيرة لاستعادة دورها الكامل في القارة الأوروبية، فالأوروبيون و إن كانوا يمثلون ثقلا اقتصاديا إلا أنهم سياسيا يعانون من أزمات داخلية عديدة، أثرت على وحدة القرار السياسي.
 
فبعد نهاية الحرب الباردة، تنادى الكثير من الساسة الأوروبيين باستقلال السياسة الخارجية الأوروبية عن نظيرتها الأمريكية، و لم ينجح هذا الأمر كثيرا، بسبب ظهور عدة أحداث جعلت الأوروبيين يعيدون التقارب مع الأمريكان، فأحداث 11 سبتمبر أظهرت للأوروبيين مدى حاجتهم للمارد الأمريكي، الذي من دونه لا يمكن تحقيق الشيء الكثير في محاربة ما يسمونه " الخطر الإسلامي" كما أن حرب جورجيا أعادت هزت ثقتهم بقدرتهم على مواجهة التحديات الأمنية الكبرى، ثم أعطى الروس للأمريكان فرصة لطالموا حلموا بها، فضمهم لجزيرة القرم، جعل الأوروبيين يستفيقون من غفلتهم الأمنية حسب التعبير الأمريكي الذي كان يعاتب أوروبا على محاولات التقارب مع روسيا،فكان من مكاسب الأمريكان على الجبهة الأوكرانية عزل روسيا دوليا، و إدانتها في كل المحافل الدولية، بل تم استبعاد روسيا حتى من اجتماعات الدول الثمانية الكبرى، و لم توجه الدعوة للرئيس الروسي للإنضمام للاحتفا لالسنوي الذي يقام في بولندا، حيث يحفتل الحلفاء بتحرير أخر معسكرات الجيش النازيفي أوروبا، رغم أن الروس كانوا أصحاب الفضل في تحريره .
 
-استطاع الأمريكيون تثبيت و دعم حكم موال لهم  في كييف، فأغلب النخب الحاكمة الآن في أوكرانيا نخب تكونت و تربت في أحضان كبار السياسيين الأمريكيين على غرار جين شارب، أحد كبار منظري السياسة الأمريكية، و هو ما يضمن راحة أكبر لأمريكا على المدى البعيد، و قد بلغت الزيارات الرسمية الأمريكية لأوكرانيا عددا قياسيا، حيث شارك الأمريكون في تنصيب الرئيس الأوكراني، و هي إشارة قوية لروسيا على أن عهدا جديدا قد بدأ، حيث حضر جو بايدن مراسيم تنصيب بيترو بوروشينكو، و ساهم الامريكان في تسريع تسليم الصندوق الدولي لحزمة المساعدات، و لم تتوقف المساعدات المالية و العينية الأمريكية لأوكرانيا، ترسيخا لقضية هامة،و هي أن أمريكا تتبنى الحكومة و الشكل الجديد الذي صارت عليه الدولة الأوكرانية، و لعل أبسط دليل على ذهاب البيت الأبيض بعيدا في دعمه لها، هو المناورات التي جرت في أوكرانيا في 15 من شهر سبتمبر2014، وهو الامر الذي أغضب روسيا كثيرا، فلأول مرة تحدث مناورات على هذا المستوى و بحضور أكثر من 1300 ضابط أمريكي.
 
و تستمد أمريكا شرعية تدخلها من الاتفاق التاريخي الذي جرى في بودابست  سنة 1994، عندما وقعت أوكرانيا و روسيا و أمريكا و بريطانيا اتفاقا تتنازل بموجبه أوكرانيا عن السلاح النووي، و تضمن لها الدول الثلاثة وحدة أراضيها و سلامة ترابها.
 
-على صعيد أخر استطاع الأمريكيون التأثير على أوروبا، حيث فرضوا عقوبات هامة شهر مارس و شهر جويلية 2014 على روسيا بمعية أوروبا، تلك العقوبات التي جعلت الاقتصاد الروسي ينكمش، و معدلات النمو تتوقف، و جعل رؤوس الاموال  تهرب من روسيا، كما تم شل أهم القطاعات الاستراتيجية بسبب هذه العقوبات، مما جعل روسيا محرومة من التكنولوجيا، و محرومة من الوصول لأهم الأسواق المالية في العالم.
 
-استطاعت أمريكا أن توقف برامج  اقتصادية و عسكرية روسية كثيرة حاولت روسيا المضي في تجسيدها، حيث ساهمت العقوبات في إلغاء الكثير من البرامج، وهو ما يصب في مصلحة أمريكا التي تريد إضعاف روسيا.
 
و مقابل هذه المكاسب، كسبت أوروبا مكسبا هاما، لعله يخفف وطأة العقوبات الروسيا عليها، حيث عمد الأمريكيون إلى خفض أسعار البترول من أجل هدفين هامين:
 
1- أنه بعد استنفاذ وسائل الردع السبع التي منها العقوبات الاقتصادية و غيرها، لجأت أمريكا إلى استعمال سلاح النفط، بعدما لاحظوا أن الاقتصاد الروسي الريعي يكتسب قوته الآنية من مداخيل النفط، حيث عمدت أمريكا إلى ضرب مصدر المداخيل الروسية، بعد الاتفاق الذي جرى بينها و بين السعودية ضمنيا، فالسعودية تستفيد من إنزال أسعار البترول، حيث تواجه إيران التي تتدخل في سوريا، و التي تعتمد على النفط في دعم ميزانيتها، كما أن النظام السعودي سيستفيد من إضعاف روسيا التي رفضت كل المبادرات السعودية لوقف التدخل في سوريا، خاصة مع بروز التحالف الروسي الإيراني في المنطقة و تأثيره الكبير عليها.
 
2- الهدف الثاني و الهام من خفض أسعار البترول هو دعم الموقف الأوروبي الموحد مع أمريكا، حيث تستفيد أوروبا من نزول أسعار التفط و الغاز بما نسبته 45 بالمئة. مما يخفف حدة الخسارة المالية التي تكبدتها أوروبا و التي سبق و أن أشرنا إليها.
 
-ومن مكاسب الأمريكان حرمان روسيا من تكريس تبعية أوروبا لها في مجال الطاقة حيث ضغطت أمريكا على أوروبا، التي ضغطت بدورها على بلغاريا لإلغاء مشروع ساوث ستريم الذي كان سيدخل حيز التنفيذ هذه السنة لو تمت الامور كما أراد الروس، يقول جون ماكين" إن أوروبا ستبقى ضعيفة مادامت تستورد الطاقة من روسيا" لذلك أصروا على كسر هذه الصفقة ، يقول مانيلو دينوتشي و هو جغراف يو جيوسياسي غربي  "و ينص مشروع ساوث ستريم على أن يشتمل خط الغاز على جزء بحري بطول 930 كم عبر البحر الأسود (في المياه الإقليمية الروسية والبلغارية والتركية) وعلى قسم أرضي عبر بلغاريا وصربيا والمجر وسلوفينيا وإيطاليا، يصل حتى منطقة تارفيسيو (مقاطعة أوديني). في عام 2012 دخلت الشركة الألمانية "وينسترشل" ضمن الشركة التي تمول تنفيذ القسم البحري وكذلك الشركة الفرنسية "أ.دي.أف" بـ15 بالمئة لكل منهما، في حين تحتفظ ’ايني’ (التي سبق وتخلت عن 30 بالمئة) 20 بالمئة، وتملك شركة غاز بروم نسبة 50 بالمئة من الأسهم. وانطلقت اشغال بناء خط انبوب الغاز في ديسمبر 2012 بهدف الإمداد الغاز عام 2015. في مارس عام 2014، ناقصت سايبم (ايني) بـ2 ملياري دولار لبناء خط الأنابيب الأول تحت مياه البحر."  
خريطة تظهر خط الطاقة ساوث ستريم.
 
على أن هدفا أخر كان وراء إفشال  هذه الصفقة حسب مانيلو و هو استغلال الغاز الصخري في أوروبا " انطلقت الشركة الأمريكية شيفرون التنقيبات في بولندا ورومانيا وأوكرانيا لاستخراج الغاز الصخري القاري، بواسطة تقنية التكسير المائي: يتم ضخ الماء والمذيبات الكيميائية في الطبقات الصخرية العميقة بضغط عال. هذه التقنية شديدة الخطورة تجاه البيئة والصحة، بسبب تلويث المياه الجوفية على وجه الخصوص. إن خطة واشنطن الرامية الى استبدال الغاز الطبيعي الروسي المورّد الى الاتحاد الأوروبي بذلك المستخرج من الصخر القاري في أوروبا والولايات المتحدة ليس سوى خدعة حقيقية، من جانب التكاليف الباهظة والأضرار البيئية والصحية الناتجة عن هذه التقنية الاستخراجية في آن. إن عدة جماعات محلية، تتمرد، في الواقع، في بولندا ورومانيا."
 
و لعل هذه المكاسب التي تحققت لواشنطن، هي التي جعلت الروس يصرون على المضي قدما في استعمال الحرب الهجينة في شرق أوكرانيا.
 
مستقبل و سيناريوهات الأزمة الاوكرانية:
 
أوكرانيا: 
 
ستواجه أوكرانيا صعوبات كبيرة لبناء دولة عصرية و قوية، بسبب تكريس روسيا للمناطق الانفصالية، التي سيكون الهدف منها رفع الفيتو في وجه أي نية أوكرانية للانضمام لحلف الناتو، و إلا سيتم تحريك الحرب مرة أخرى، لكن الأمور قد تتغير بعد سنتين، في حال بقاء أسعار البترول منخفضة، و استمرار العقوبات، فإن اللحظة التي ستسلم فيها روسيا سوف تكون قريبة جدا، و بالتالي فإنها أضعف من أن تواصل دورها في زعزعة شرق أوكرانيا، لأن أي عقوبات جديدة عليها ستجعل البلاد معرضة للتفكك و انهيار النظام.
أما الخطر الذي يتربص بالثورة الأوكرانية فهو خطر التعرض لشبح الإفلاس، حيث كان يمكن للأزمة أن لا تكون بهذه الحدة لو كانت الحكومة الأوكرانية أكثر راحة فيما يتعلق باستقرارها الاقتصادي. وتعاني الحكومة من أزمة ديون تقدر بأكثر من 13 مليار دولار هذا العام، زيادة على 16 مليارا ينبغي دفعها قبل نهاية 2015. ويقول المحلل الاقتصادي لوبومير ميتوف إن أوكرانيا تحتاج للأموال الآن حتى تتجنب انهيارا كاملا. ويزداد الأمر سوءا مع إعلان كييف أن الحرب تكلفها أكثر من 10 ملايين دولار يوميا، وفقدان العملة المحلية لخمسين بالمئة من قيمتها. وتتعلق آمال أوكرانيا الآن بإنقاذ من قبل صندوق النقد الدولي الذي أعلنت مديرته كريستين لاغارد أن الصندوق يناقش مع كبار مساهميه كيفية توفير 35 مليار دولار لكييف إذا عبرت عن حاجتها لذلك. ولكن حتى تتقدم المفاوضات لا بديل عن عودة الاستقرار للبلاد.
 
روسيا: 
 
استمرار التدخل الروسي على مشارف أوروبا، سيزيد من عزلتها، كما أن بقاء العقوبات سيؤدي فعليا إلى انهيار الاقتصاد الروسي بعد سنتين على الأكثر، لأن روسيا دولة ريعية، تمتلك كل الموارد الأولية، لكنها دولة لا تخرج عن كونها دولة من دول العالم الثالث، و هو ما أقره الرئيس الروسي في 4 ديمسبر عندما قال "يجب أن نلتفت للاقتصاد التفاتة حقيقية"، لكن الخبراء يتحدثون عن فشل روسيا في بناء اقتصادها في أربع محاولت شهيرة بدأت في ستينات القرن الماضي.ما يجعل استمرار العقوبات الغربية عليها تهديدا لوجودها كقوة إقليمية، وهذا الاحتمال لا يغادر أذهان المسؤولين الروس الذي "يفحصون حاليا بكل جدية التداعيات الاقتصادية" لتحركاتهم العسكرية والسياسية، وفقا للسفير الأمريكي السابق في موسكو جون بيرلي في تصريحاته لقناة السي أن أن. الذي أضاف " أن روسيا أصبحت مرتبطة بالاقتصاد العالمي أكثر مما كانت عليه قبل 10 سنوات "فنصف تجارتها الآن أصبحت مع دول الاتحاد الأوروبي، كما أنها تعيش على الواردات الأوروبية التي تملأ رفوف البضاعة التي اعتاد مواطنوها عليها".
 
-إثارة روسيا للقلاقل و للحقد الأوكراني، و انهيار القدرة الشرائية، و تشجيع الانفصاليين، و الوزن بمكياليين، و استمرار انهيار الروبل، و انخفاض المداخيل، كلها عوامل قد تؤدي في المستقبل إلى انهيار الفديرالية الروسية، التي تعاني أصلا من موجات نفور شديدة من المركز، من عدة جمهوريات، مثل جمهوريات القفقاس، و أديغا و موردوفيا، و هي الجمهوريات التي تقطنها جاليات مسلمة كثيرة، كما يرجح الخبراء تشجيع الغرب الحركة الانفصالية في سييريا، التي تعد منطقة ضخمة و غنية بمختلف الموارد الطاقوية و الأولية.
أوروبا:
 
 أوروبا هي الخاسر الأكبر، فالتهديدات الامنية كبيرة، و الخطر الروسي يحدق بها، خاصة مع غبداء الروس نيتهم لدحر الناتو في أي فرصة قد تتاح لهم، لذلك تبقى أوروبا تعيش خطر حرب على أبوابها قد تأتي على الأخضر و اليابس، كما ستستمر المعاناة الأوروبية في مجال الطاقة، و تبيعتها لروسيا، خاصة بعد إلغاء خط ساوث ستريم.
أمريكا:
 
 أما أمريكا فإنها ستراهن على تقوية أداء الحلف الأطلسي، و استغلال المخاوف الأوروبية من التهديدات الروسية، كما ستعمل على استمرار عزل روسيا دوليا، واستغلال ضم روسيا لجزيرة القرم لإبقاء العقوبات، التي يبقى الهدف الأمريكي غير المعلن عنه، إسقاط النظام الروسي، و تحقيق مشروع أوارسيا على الصبغة الأمريكية، التي تحدث عنها كيسنجر كثيرا، من أجل الوصول إلى مصادر الطاقة في القفقاس  البحر الأسود.
 
المنطقة العربية:
 
 يقول الخبير السياسي ساطع نور الدين '' حدث عالمي مهم، هو بلا شك اهم من الربيع العربي الذي عارضه الروس منذ اللحظة الاولى وما زالوا يطاردون تياراته ورموزه، ويخترقونهم بمئات من المتشددين الاسلاميين القوقاز الذين تقطعت بهم السبل الروسية، وهم اليوم يساهمون مع " مجاهدين"مثلهم في تحويل الثورة السورية الى كارثة انسانية.. الثورة الاوكرانية يمكن ان تعيد الامور الى نصابها، وان تجبر روسيا على الانكفاء خلف حدود ازماتها الداخلية المؤجلة منذ انهيار نموذجها السوفياتي الفريد، والتي كانت مقاربتها تقتصر على الامن، كما في العهود الاشتراكية الغابرة..لن تختصر الثورة الاوكرانية المسار المتعرج والمتعثر للربيع العربي، لكنها بالتأكيد يمكن ان تخفض تدريجيا عدد البراميل المتفجرة الروسية المنشأ التي تدمر حلب وحمص ودرعا، وغيرها من المدن والقرى السورية.. تمهيدا لوقفها نهائيا."
 
و قد تشهد المنطقة العربية علاقات أكثر متانة بين روسيا و إيران التي تعد الحليف الأساسي للروس في المنطقة، من أجل إثارة القلاقل و إحراج الأمريكان في مناطق نفوذهم.
 
أما من الناحية الإقتصادية فأن البنك الدولي يتوقع تأثر دول الشرق الأوسط و شمال افريقيا بالازمة في أوكرانيا حيث جاء في أحد تقاريره " أن الأزمة الحالية قد تؤثر على الأسواق العالمية، فروسيا وأوكرانيا منتجان ومصدران زراعيان رئيسيان. وفي عام 2012، بلغت صادرات روسيا وأوكرانيا 11 و 5 في المائة من الصادرات العالمية للقمح، واستأثرت أوكرانيا بأكثر من 14 في المائة من صادرات الذُرة العالمية (ثالث أكبر حصة على الصعيد العالمي). ومن المحتمل أن يؤدي اضطراب صادرات روسيا وأوكرانيا إلى خفض حجم التجارة على الصعيد العالمي وبشكل خاص لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهي واحدة من المنطقتين الأكثر اعتماداً على القمح المستورد (بعد أفريقيا جنوب الصحراء). ويذهب أكثر من 50 في المائة من صادرات القمح الروسي إلى مصر يليها لبنان والأردن واليمن (الجدول 1). وتعتمد هذه البلدان أيضاً على أوكرانيا للحصول على أكثر من 50 في المائة من إمداداتها من القمح والذرة (60 في المائة بالنسبة للبنان و50 في المائة بالنسبة لمصر، انظر الجدول). وفي حال اضطراب المعروض من روسيا وأوكرانيا، فسيتعين على هذه البلدان زيادة وارداتها من مصادر أخرى بأسعار أعلى يمكن أن يكون لها على الأرجح آثار اقتصادية كبيرة.
 
 
ويمكن أن يؤثر توقف صادرات روسيا وأوكرانيا من هذه السلع على أسعار السلع الأولية عالمياً. وتوضح بيانات حديثة من البنك الدولي أن أسعار القمح والذرة قفزت مع بداية الأزمة بنسبة 4 إلى 6 في المائة. وقد يؤدي ارتفاع الأسعار العالمية لهذه السلع الأولية إلى تفاقم العجز في الحسابات المالية والجارية المرتفعة بالفعل في تلك البلدان التي تأثرت مباشرة من الصدمة. وهذا قد يشكل ضغوطاً إضافية على المستويات المرتفعة بالفعل للدين العام. وعلاوة على ذلك، فإن هذه البلدان لديها مساحة ضئيلة للتحرك في السياسات المالية والنقدية كي تواجه التدعيات، لا سيما في حال تحقق السيناريو الأخطر وهو انهيار الصادرات الروسية والأوكرانية
 
 

عدد التعليقات: 1
الرابط المختصر :

Twitter Facebook MySpace Digg Delicious

اضافة تعليق



التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي لجينيات وإنما تعبر عن رأي أصحابها



1 - متابع في May 01 2015
جهد رائع بورك فيك دكتور
اسفل الاخبار يميناسفل الاخبار يسار
اسفل الرئيسية